مقاتل ابن عطية

432

أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد

إني بليت أبا حفص بغيرهما * شرب الحليب وطرف فاتر ساج لا تجعل الظنّ حقّا أو تبيّنه * إن السبيل سبيل الخائف الراجي ما منية قلتها عرضا بضائرة * والناس من هالك قدما ومن ناج إن الهوى رعية التقوى تقيّده * حتى أقرّ بإلجام وإسراج فبكى عمر وقال ؛ الحمد للّه الذي قيّد الهوى بالتقوى . وأتته يوما أم نصر حين اشتدت عليها غيبة ابنها ، فتعرضت لعمر بين الأذان والإقامة ، فقعدت له على الطريق ، فلما خرج يريد الصلاة هتفت به وقالت : يا أمير المؤمنين لأجاثينّك « 1 » غدا بين يدي اللّه عزّ وجلّ ، ولأخاصمنّك إليه ، يبيت عاصم وعبد اللّه إلى جانبيك وبيني وبين ابني الفيافي والقفار والمفاوز والأميال ! قال : من هذه ؟ قيل : أم نصر بن الحجّاج . فقال لها : يا أم نصر إن عاصما وعبد اللّه لم يهتف بهما العواتق من وراء الخدور « 2 » . ووجه البدعة فيه ظاهر ، فإن إخراج نصر من المدينة وتغريبه ونفيه عن وطنه بمجرد أن امرأة غنت بما يدل على هواها فيه ، ورغبتها إليه ، مخالف لضرورة الدين لقوله تعالى : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى « 3 » . ولا ريب أن التغريب تعذيب عنيف ، وعقوبة عظيمة ولم يجعل اللّه تعالى في دين من الأديان حسن الوجه ولا قبحه منشأ العذاب لا في الدنيا ولا في الآخرة ، وقد كان يمكنه دفع ما زعمه مفسدة من افتتان النساء به بأمر أخف من التغريب وإن كان بدعة أيضا ، وهو أن يأمره بالحجاب ، وستر وجهه عن النساء أو مطلقا حتى لا يفتتن به أحد . ثم ليت شعري ما الفائدة في تيسير نصر إلى البصرة ؟ ! فهل كانت نساء البصرة أعفّ وأتقى من نساء المدينة ؟ مع أنها مهبط إبليس ومغرس الفتنة ،

--> ( 1 ) أي لأجثو على ركبتيّ للخصومة . ( 2 ) شرح النهج ج 12 / 212 - 213 . ( 3 ) سورة الفاطر : 18 .